السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

377

مختصر الميزان في تفسير القرآن

بذلك ليرتفع به غائلة ذكر الخاص بعد العام لأن الغرض في المقام - كما تقدم - هو الدعوة إلى الأخذ بالنصفة والتجافي عن عصبية الجاهلية فلم يصرح بالمقصود وإنما أبهم إبهاما لئلا يتحرك بذلك عرق العصبية ولا يتنبه داعي النخوة . فقوله : مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً وقوله : « أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ » متبائنان من حيث المراد وإن كانا بحسب ظاهر ما يتراءى منهما أعم وأخص . ويدل على ما ذكرنا ما في ذيل الآية من حديث التهديد بالعذاب والسؤال عن الشركاء والشفعاء . وأما ما قيل : إن قوله : « أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ » نزل في مسيلمة حيث ادعى النبوة فسياق الآيات كما عرفت لا يلائمه بل ظاهره أن المراد به نفسه وإن كان الكلام مع الغض عن ذلك أعم . على أن سورة الأنعام مكية ودعواه النبوة من الحوادث التي وقعت بعد الهجرة إلا أن هؤلاء يرون أن الآية مدنية غير مكية وسيأتي الكلام في ذلك في البحث الروائي التالي إن شاء اللّه . وأما قوله : وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ فظاهره أنه حكاية قول واقع ، وأن هناك من قال : سأنزل مثل ما أنزل اللّه ، وأنه إنما قاله استهزاء بالقرآن الكريم حيث نسبه إلى اللّه سبحانه بالنزول ثم وعد الناس مثله بالإنزال ، ولم يقل : سأقول مثل ما قاله محمد أو سآتيكم بمثل ما أتاكم به . قوله تعالى : وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ إلى آخر الآية ؛ الغمر أصله ستر الشيء وإزالة أثره ولذا يطلق الغمرة على الماء الكثير الساتر لما تحته ، وعلى الجهل المطبق ، وعلى الشدة التي تحيط بصاحبها والغمرات الشدائد ، ومنه قوله تعالى : « فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ » ، والهون والهوان الذلة .